التّحاورُ لا التّنافر: حين تكونُ الكلمةُ جِسراً لِخَيرٍ وَفِيرٍ
غازي منير قانصو

عضو اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي - المسيحي

Thursday, 29-Jan-2026 07:46

لمّا كانت تتصادمُ الخطاباتُ وتتنازع الإراداتُ في أكثر من اتجاه، لم يعد الخطر الأكبر يكمن في «الاختلاف» بحدّ ذاته، فهذا طبيعيٌ، بل في «العجز عن إدارته» وتحويله إلى قوةٍ بنّاءة.

مدخل في معنى الاختلاف وضرورة الحوار

فالاختلاف، إذا ما أُحسن توجيهه، أو أُجيد التّعاملُ معه، يُعَدُّ سُنّة كونية وضرورة إنسانية لإثراء الوعي الجماعي وتطويره، أما التنافر والقطيعة فهما تعبير عن ارتدادٍ أخلاقي وقصورٍ عقلي في الوقت ذاته.

 

إن الحوار الجادّ لا يمثل غِنًى فكريًا أو أسلوباً للتّواصلِ فحسب، بل هو ضرورة وجودية (Ontological Necessity) تنبع من طبيعة الإنسان الكائن الاجتماعي، الذي لا يستطيع العيش ولا التّطور دون تفاعلٍ حقيقيٍ مع الآخر. وهو أيضاً آلية بقاء تضمن تماسك النسيج المجتمعي واستدامة السلم الأهلي في ظل تنوع حتمي، فهذه طبيعةُ الوجودِ البشري.

 

تنوّع مسارات الحوار ووحدة غاياتِه

يتجلّى الحوار الإيجابي في أنماطٍ معرفية وسلوكية متعددة، تُشكّل سلسلة متصاعدة من التفاعل. فالسجال والمجادلة بالحسنى يهدفان إلى اختبار متانة الحجج واستنباط البراهين بمنطق سليم، بعيداً من المغالطات أو التعصّب، وهو المستوى العقلي الخالص في ممارسة الحوار. أما المحادثة والمحاورة الهادئة، فهي حوار القلوب قبل العقول، تهدف إلى تقريب النفوس وتلطيف الأجواء وبناء جسور الثقة المبدئية كأرضية لأي تبادل فكري لاحق.

 

هُنا، تأتي المناقشةٌ الموضوعية والمناظرة العلمية في ذروة مستويات الحوار، فهي تسعى إلى تعميق الفهم المشترك وإعلاء سلطة الدليل والمنطق على سطوة الصوت والعاطفة.

 

الكلمة بين البناء والهدم

في هذه التجلّيات كافة، تظلّ الكلمة أداةً للكشف والبيان والإقناع، لا أداة للقهر أو الاحتواء أو الإلغاء. وفي المقابل، تمثل ممارسات «اللّاحوار»، من صمتٍ قاطع متعالٍ، وتجاهلٍ إقصائي متعمّد، وصولاً إلى التحول إلى الصراع العنيف اللفظي أو المادي، إعلاناً عن فشل الطريقةُ المنطقية في ممارسة وظيفتها التواصلية الأساسية، وتحويلاً للطاقة الكامنة في الاختلاف من قوة بناء إلى فتيل دمار. فحين تُسخَّرُ الكلمة للإقصاء بدل الإيضاح، وللتشويه بدل البيان، تتحول من جسر عبور إلى أداة قطيعة وشرخ دائم! أليس كذلك؟

 

اللاحوار: الصمت بوصفه صراعاً مؤجّلاً

يُعدُّ غياب الحوار أو رفضه، في سياقات الإختلاف، حالةً من «الكُمُون الصِّراعي» (Conflict Latency) قد تكون أخطر من المواجهة المفتوحة أحياناً. فالصمت في مواطن الاختلاف ليس ضرباً من «حكمة السكوت» دائماً، بل هو قد يكون انكفاءً على الذّات وخوفاً من الاختبار. والقطيعة ليست مؤشراً إلى القوة والاستغناء، بل هي غالباً تعبير عن عجز في الثقة بالنفس أو في حجّتها.

 

وعندما تتوقف قنوات التواصل، تبدأ الفضاءات الافتراضية بالامتلاء بالتخمينات والأوهام، وتنتعش الصور النمطية والتمثيلات المشوّهة للآخر، مما يحوّله تدريجياً في الخيال الجَمعي من شريك محتمل في الحقيقة أو مواطن متساوٍ في الوطن إلى خصم وجودي يجب تحجيمه أو استئصاله! ألا يحصلُ عندنا مثل ذلك، يا سادة؟

 

المكاسب الحضارية للحوار البنّاء

تتجاوز فوائد الحوار الجادّ حدود تبادل المعلومات إلى تحقيق منجزات استراتيجية على مستويات عدة.

 

فعلى المستوى السيكولوجي (النّفسي) الفردي، يمنحُ الحوارُ الفردَ شعوراً بالكرامة والاعتبار والانتماء، ويحرره من مخاوف الإقصاء والتهميش، ويعزز لديه المرونة النفسية وقبول النقد.

وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، يقلّص الحوارُ الفجوات بين المكونات المجتمعية المختلفة، ويؤسس لثقافة العيش المشترك، أو العيش الواحِد، القائمة على الاعتراف المتبادل والمساواة في الكرامة الإنسانية، ويُعدّ آليةً وقائيةً فعّالةً من الانزلاق نحو العنف.

 

أما على المستوى المؤسسيّ والتنموي، فيرفع كفاءة بيئات العمل والإنتاج عبر حل النزاعات الداخلية بأساليب تفاوضية علمية-إنسانيّة، ويُطلقُ الحِوارُ طاقاتِ الإبداعِ والابتكارِ التي تكمُن في تنوع الخبرات والآراء.

 

المجتمعات المتحاورة وفضيلة المرونة

فالمجتمعات المتحاورة هي مجتمعات مرِنة (في إدارة التّواصل) بامتياز؛ تختلف داخلياً لكنها لا تتشظى، وتنتقد ذاتها لكنها لا تتوحش، وتواجه الأزمات بتضامن نابع من فهم عميق لنسيجها المعقّد.

 

إنّ قوة هذه المجتمعات لا تكمن في توحيد الأصوات قسراً، بل في قدرتها على إدارة الاختلاف وتحويله إلى مصدر ثراء معرفي وأخلاقي، يقيها الانغلاق ويمنحها قدرة دائمة على التجدد والاستمرار.

 

ميثاق الحوار: القواعد الضابطة والأخلاقيات القيمية

لا يستقيم الحوار البنّاء ولا يحقق غاياته إلّا بالالتزام الطوعي بقيمِ أخلاقيات التواصل (Communicative Ethics) التي تجعله فاعلاً ومحترماً.

وتقوم هذه الأخلاقيات على تفكيك الفكرة لا تجريح الشخص، وعلى الإصغاء الفعّال بقصد الفهم لا الردّ، وعلى مبدأ التكافؤ والندية المعرفية واحترام المقام الفكري والهُوِيَاتي للطرف الآخر، وعلى عقلنة الانفعال وإدارة العاطفة وضبط الغضب.

 

إنّ الحوار الحقيقي النبيل لا يهدف إلى إذلال الخصم أو إعلان انتصار وهمي أو شبه واقعي، بل هو رحلة بحث مشتركة عن الحقيقة أو عن نقاط التقاطع الدنيا التي يمكن البناء عليها لتحقيق مصلحة أعلى أو لتجنّب ضرر محقق.

 

خِتَامًا، شجاعةُ الاختلافِ كفضيلة إنسانيّة

 

التحاور، في خلاصته، ليس ضعفاً ولا تنازلاً عن المبدأ، بل هو ذروةُ الشجاعةِ الشخصيّة والثقة بالنفس وبالفكرةٍ معاً؛ إنّه شجاعة الانفتاح على المجهول الفكري الذي يمثله الآخر، والقدرة على عرض الذات وأفكارها بوضوح وبِثقةٍ دون عدوانية.

 

حين تختار المجتمعات والحضارات منطق الحوار والإقناع، فهي تختار إرادة الحياة والاستمرار والتطور. أما التنافر والقطيعة والتصادُم، فهو التوقيع الأول في سجل الانهيار الداخلي والبذرة الخبيثة للخراب الشامل.

 

فليَكُن كلامُنا دوماً، حِوارَ حَياةٍ، وَجسراً نعبر به نحو بعضنا بعضًا، لا أداةً مُسيئةً نُدَمِّرُ بهِ آخِرَ جسورِ التواصل والأمل في بناءِ حياةٍ إنسانيّةٍ رَغِيدَة.

الأكثر قراءة